نص المساخَرة

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
27/08/2009 06:00 AM
GMT



 تنتمي قصائد الشاعر العراقي جواد الحطاب موزونةً ومنثورةً إلى ما أدعوه نص المساخرة، تمييزاً له عن المفارقة التي قامت عليها أسلوبية محمد الماغوط ومدرسته التي شايعه في موضوعاتها وأسلوبها كثير من شعراء الحداثة. نص المساخرة الذي كتبه في العراق شعراء متقاربو الانتساب الجيلي إلى حد ما كجواد الحطاب وكاظم الحجاج وكزار حنتوش، نص يقوم بناؤه على تقديم الموضوعات الواضحة في تناول ساخر، يعلن النكتة بمستويين: لفظي يستلها من معناها القاموسي أو المتداول ليضعها في سياق جديد يولد السخرية، وتركيبي ينزاح من صورة أو عبارة ليصنع الموقف نفسه. وديوان جواد الحطاب الأخير (إكليل موسيقى على جثة بيانو) بيروت 2008 يؤكد هذا الاتجاه الفني الذي دأب عليه منذ بواكيره، لكنني أرى في عمله الجديد تعميقاً للمساخرة، وتلويناً وتنويعاً تستمد وجودها في النص من السياق الذي كتب فيه الشاعر جزئي العمل: المتنبي، واستغاثة الأعزل، وما يضمه كل جزء من قصائد قصيرة ومتوسطة الطول. ويبدو لي أن هذا النوع من النصوص لا يحتمل التطويل لأن حكمته في تبسيط المساخرة، وبسط الدعابة، فلا يصبر معها الشاعر حتى يبني معمار قصيدته المتنازلة أصلاً عن البنى الباذخة والفخامة. والسياق الحاف بالنصوص مرجعاً للتنوع والتلوين هو واقع العراق اليوم، وما تضرب أرضه وبشره من محن فريدة في تاريخه، يصبح معها الاحتلال والعنف وتداعياتهما مشهداً يومياً قائماً يضغط على شعور - وإدراك وإحساس - شاعر كالحطاب يقيم في الداخل الملتهب، وتنضج أشعاره على نيران المرارات والخسائر التي يراها في وجوه أصدقاء وشعراء راحلين موتاً (الجواهري، يوسف الصائغ، أطوار بهجت..) أو غائبين بالهجرة من أقرانه (فضل خلف، عبدالرزاق الربيعي، فاروق يوسف..) لكن المتنبي هو أول المخاطَبين في الديوان، إن فاتك الذي فتك بالمتنبي يصبح مناسبة لتكرار السؤال عن معنى الفتك والفوْت أيضا: (هل فاتكَ.. فاتك/ أم أن الفتّاك جميعا/ كمنوا فيه؟) كما سيتحور النشيد الوطني إلى نشي..ج، لكن أكثر مساخرات الحطاب تجري مع الحرب التي شكلت قدر جيله، وصار شاهداً عليها، فكتب فيها نصوصاً ذات ميزة فريدة هي الإحاطة بمفردات الحرب ووقائعها المكروسكوبية، مما لا يتبينها مستمع لأخبارها أو مشاهد لمناظرها في الأفلام، تبدأ من قصعات الطعام وبريد الجنود ومواضعهم أو خنادقهم والأسلحة والموت المتربص في كل ثنية وثانية، ولكن الإكليل الذي يعنيه الحطاب هو الكلمات، كما تقول قصيدته جثة البيانو، والمرثي عبر المساخرات في النصوص هي تلك الكلمات التي يعني توقفها موت العالم، وهذا هو الجانب المأساوي الساكن في لب المساخرة: (الشظايا تلبسنا / كي تستر عريها). (جئنا../ نغسل أنفسنا / بالنسيان/ فأصيب النسيان../ بداء الذكرى) فلا خلاص يبقى بعد الطوفان (يا نوح.. ما من يابسة/.. تعاقب أولادك الجبليون/ على صيد الحمامات).